المحاكم الإسلامية في الصومال كحركة مقاومة / مهنا الحبيل

المحاكم الإسلامية في الصومال كحركة مقاومة / مهنا الحبيل

التاريخ:26/12/1427 الموافق |القراء:143 | نسخة للطباعة

المختصر/

الشرق / السياق السريع الذي تداعت به الأحداث في الصومال حيث بسطت قوات الغزو الأثيوبية المدعومة من الولايات المتحدة سيطرتها الميدانية على الأراضي الصومالية أعطت مؤشرا واضحا لرؤية المشهد الجديد في الصومال بعد الاحتلال الأثيوبي وان كانت الجوانب الكاملة لرؤية المشهد ومستقبل منطقة القرن الافريقي ما يزال يكتنفه كثير من الغموض والرؤى المتناقضة إلى حد كبير مع بعضها البعض.

سواء كان ذلك من خلال الأهداف الاستراتيجية لأديس أبابا غير المعلنة والتي برزت وبصورة مفاجئة بعد تسرع أحد أبرز حلفاء أثيوبيا زعيم الحرب المشهور حسين عيديد وهو أحد وزراء حكومة بيدوا وإعلانه المطالبة بالوحدة الاندماجية مع أثيوبيا هذا الموقف الذي أكد مضامين الحملة الاثيوبية على الصومال وحجم الولاء المطلق والتبعية التي باتت تحملها حكومة بيدوا تجاه أديس أباب لأنها لم تستطع أن تستمر في البقاء في السلطة مع طاقمها المكون أصلا من أمراء الحرب الا من خلال الدعم الأجنبي في مواجهة وجود شعبي قوى للمحاكم الإسلامية ورثته من تاريخها في السلم والاستقرار الذي حققه الصومال خلال فترة وجيزة من سيادة المحاكم على الأرض.

غير أن صعوبة تسويق هذا الوضع سواء كان عبر الاحتلال المباشر وهو ما يعتقد أن يسعى الأثيوبيون لانهائه خلال الأسابيع القادمة حتى يرفع عنهم الحرج أمام الشعب الصومالي والرأي العام العربي والأفريقي والدولي إضافة إلى مخاوف الأطراف الافريقية الأخرى المجاورة للصومال أما الجامعة العربية فقد كان موقفها مفاجئا حيث أُعلن الزحف الأثيوبي ووفدها في أديس أبابا الذي أطلق تصريحا فهم منه أنه يؤيد ضمنيا ما آلت إليه الأحداث في الصومال من سيطرة عسكرية أثيوبية عليه ورغم أن كشف ظهر المحاكم الإسلامية ليس مستغربا من الطرف العربي لكن حجم الاستثمار الأثيوبي للجامعة العربية لم يتوقع أن يصل لهذا الحد الكارثي لمؤسسة تحمل اسم الجامعة العربية.

اذا فالخيار الأثيوبي سيتحول إلى الاحتلال الضمني عبر النفوذ والأجهزة الأمنية غير المعلنة والوجود السياسي القوي على الأرض الصومالية تجنبا لمقاومة الشعب الصومالي الذي يحمل مخزونا ضخما عقائديا وقوميا واجتماعيا معاديا للاستعمار الأثيوبي الذي يسيطر على إقليم أوجادين الصومالي منذ عقود.

ولكن هذه المحاولة لا يتوقع لها أبدا أن تنجح في سحب مشاعر الغبن والقهر لدى الصوماليين الذين أصبح المشهد لديهم معلنا وهو غزو أثيوبي لأراضيهم.

لكن الطرف الفاعل والأكثر قدرة على تفسير الأحداث والوقائع على الأرض ما يزال هو تجمع المحاكم الإسلامية وهذا لا يلغي وجود قصور في ادارة الملف السياسي لدى المحاكم خلال الفترة الماضية رغم قناعة جميع المراقبين بأن المشروع الأثيوبي الأمريكي المزدوج لم يكن يرضى أبدا باقامة مشروع سياسي واضح المعالم للمحاكم الصومالية الإسلامية على الأرض ولذا سارع في هجومه حتى لا تتمكن المحاكم من اقامة حكومة على أرض الواقع تبدأ في بناء سياسي وعسكري للدولة.

ان أهم قضية برزت خلال الزحف الأثيوبي هو القرار المباشر السريع للمحاكم الإسلامية لسحب قواتها في وقت قياسي حققت فيه هدفين استراتيجيين الأول حماية المناطق المدنية التي أعطى الأمريكيون الضوء الأخضر لأديس أبابا لابادتها في معركتها مع المحاكم الإسلامية عبر الدعم المباشر التقني لأرض المعركة أسوة بما حدث في أفغانستان وهو ما أكسب المحاكم رصيدا اضافيا من التعاطف.

والهدف الثاني هو حماية البناء العسكري الصلب غير التقليدي لقوات المحاكم وبالتالي المحافظة على قوتها العسكرية لبدأ المشروع العسكري في مقابل الاحتلال الأثيوبي والدلالة المؤكدة لهذه الوقائع هو أن قرار المحاكم الإسلامية المبكر كان انتهاج حرب العصابات أي تحولها لحركة مقاومة في مواجهة الجيش التقليدي وهوا ما يؤكده العمق الميداني للمعركة حيث خلت الأرض الصومالية في مناطق الانسحاب من أي خسائر ذات بال تكبدتها المحاكم الإسلامية مما يؤكد أنه انسحاب وليس هزيمة أو فرار فضلا عن الروح المعنوية المتقدمة التي يحملها مناضلو المحاكم الإسلامية والرابط الأيديولوجي الإسلامي العميق الذي يشكل نواتهم الثقافية وعقيدتهم القتالية التي لا يُعرف فيها الفرار من أرض المعركة.

ان تحول المحاكم الإسلامية إلى حركة مقاومة تحيط به عوامل دعم أو اعاقة لتوسع أو قوة هذه المقاومة:
أولها الوضع الدولي المعادي للمحاكم الإسلامية والداعم للقوات الأثيوبية وثانيها تطوير وضع الحكومة الصومالية بحيث تبدو وكأنها حكومة شرعية ذات سيادة وقبول شعبي وبالتالي تكثيف التضييق على مقاتلي المحاكم داخل الأراضي الصومالية.

وهذان العاملان ومن التجربة القائمة في أفغانستان والعراق يبدو جليا عدم قدرتهما في الصمود أمام تطور فعل المقاومة على الميدان خاصة في ظل الزخم الثقافي الذي يجتاح مشاعر الشارع العربي الإسلامي من وحدة الموقف العدواني للقوى الدولية والإقليمية تجاه الإسلام كرسالة وللوطن العربي كهوية وجغرافيا.

أما العوامل الايجابية المساندة لحركة المقاومة فهي تتركز في وجود مساحة منافسة تاريخية لأثيوبيا وهي اريتريا وان كان ليس من المستبعد أن تخضع اسمرا لصفقة مع واشنطن مقابل تشديدها الحصار والخناق على المحاكم الإسلامية لكن طبيعة الجغرافيا الأفريقية المفتوحة والمتداخلة تظل عاملا مفيدا للمحاكم الإسلامية بحسب ما عكسته تجارب الصراع بين الدول الأفريقية وحركات المعارضة المسلحة فيها والتي تُفيد باستحالة تحقيق غلق كامل لهذه الحدود تجاه هذه الحركات.

لكن أهم ما سيواجه المحاكم الإسلامية هو خط سيرها السياسي المحاذي للعمل العسكري وعلاقته مباشرة بتنظيم القاعدة الذي لا يؤمن مطلقا سوى باستمرار الأرض المحروقة في معركته مع الخصوم الإقليميين والدوليين، وبالتالي يصعب تحديد موضع القيادة المركزي للمقاومة الصومالية بسبب التداخل الشديد مع فكر القاعدة الا اذا كسرت القاعدة قاعدتها المعروفة واعترفت لأهل الإقليم بشرعية وصلاحيات مسار المعركة وتداخلاتها على الساحة الصومالية وهو ما لا يتوقع وبالتالي تلتهب أجواء المعركة وتتحول إلى بؤرة ملتهبة للمواجهة.

هذه الاشكالية العميقة في ساحات المواجهة التي تتواجد فيها القاعدة تقوم على اصل الوعي الإسلامي السياسي وغياب أبجديات الموازنة الفقهية على أرض المعركة فضلا عن الاعتراف أصلا بالفقه الإسلامي وسعة حكمه وتقديره للواقع الميداني لأرض المعركة التي هي أرض إسلامية بالأصل والخلاف في الأحكام والتعامل مع الشخوص يقوم على هذا الأساس كل ذلك لا يتوافر في الجناح الأبرز والأقوى والأوسع انتشارا في القاعدة وهو جناح السلفية الطائفية ومن هنا يتورط مناضلوها في تصفيات ومواجهات مع شخصيات أو فئات لمجرد الاختلاف معهم في الفكر أو المذهب السني ويترتب على ذلك خسائر عظيمة لا يعلمها الا الله.

ودائما يُفضل هذا الجناح القوي عدم الاستجابة أو المراجعة فضلا عن التسليم باحتمال خطأ اجتهاده لازدرائه في الأصل للفقه المقابل.
ولو لاحظنا بأن هذا التيار امتنع عن التعاطي مع خطاب وفتوى الملا عمر الأخيرة التي حض فيها مناضلي طالبان بعدم المساس بدماء المدنيين وحرمة دمائهم تعليقا منه على العمليات الأخيرة التي شنتها الحركة بعد نقل تجارب القاعدة في بغداد اليهم وهو ما يكشف حجم الفرق بين المقاومة الملتزمة بالفقه الإسلامي الراشد وبين الفقه المفتوح التي فرضه هذا التيار من القاعدة رغم اجلالهم الكبير ومحبتهم للملا عمر لكن ذلك لم يغير من منهجهم على الأرض في المعركة لأسباب يطول شرحها.

من هنا سيشكل قضية تعامل المحاكم مع قيادات القاعدة مؤشرا مهما لضبط نتائج الميدان وحصد مكاسب على الأرض لمصلحة الشعب الصومالي وفقا لهويته الإسلامية وفي كل الأحوال ستُفيق واشنطن على أنها تخسر من جديد لكن المهم ألا يخسر الشعب الصومالي ضحايا بالمجان دون مقابل يقره الشرع والهدي الرشيد.

نشر بتاريخ on يناير 15, 2007 at 9:43 ص أترك تعليقا

عنوان تتبع هذه التدوينة: http://alkarnee.wordpress.com/2007/01/15/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%83%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%83%d8%ad%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d9%85%d9%82/trackback/

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة.

Leave a Comment

You must be logged in to post a comment.